زائرة الليل الغريبة: الجزء الثاني
كتبهاحلل الجزائرية ، في 5 نوفمبر 2007 الساعة: 22:20 م
مرت أيام قبل أن تعود زائرتي ، كنت فيها كالسكران لا أعي مما حولي إلا قشور شؤونه . ـ
و في الليلة السابعة أشع بصيص نور خجول من نافذتي ، طوى السرور الذي استعبد أعماقي
و نشره مرات عدة قبل أن المح طيف زائرتي. ـ
دخلت و بدت ملامحها البهية و الشاحبة في الوقت عينه ، و كأنها تتحسّر على أمر تنبّأت به لي
و لكنها أشفقت عليّ منه فكتمته .ـ
أما أنا فكنت لا أزال أدقق في تقاسيم وجهها المحيرة . بقينا على هذه الحال من السكون
و التحديق ردهة من الزمن ثمّ بادرت و قالت : ـ
أنا أحبك و لا أرغب بالتخلي عنك و لكنها الأفاعي الرقطاء حنّت إلى عالم الشر الذي أفرغت
الشياطين أشواقها فوق تلاله و باركت خطايا النفوس الضعيفة مساعيها .ـ
فقلت مذعورة : و لم تحبينني؟
فأجابت : أنت إبنتي التي أنجبتها منذ 23 سنة ، و قد ولد معك في الدقيقة نفسها آلاف من أشقائك
التوائم . شعرت أن قولها ذاك أغرقني في دياجير الكهوف الرطبة بدماء الموتى و المرتوية
بينابيع الغريزة الرابضة في جوفها .ـ
و تهيأ لي لحظتها أني أخاطب جنية نبذت من ذلك العالم الخفي عنا ، الجلي لهم ، قذفها نبذها
ذاك إلى أبعاد لا ينبغي لها التواجد فيها و لكن بفقدان الصواب، فكيف أكون ابنتها و انا لم
أعرف لنفسي أهلا غير والداي و أشقائي الذين أنعم معهم بسلام العيش لولا هذا الضيق الذي
يقبض أنفاسنا في كل آونة تضام فيها أرضنا العفيفة الطيبة؟
و أثناء كل همسة أناجي من خلالها ذاتي ، و في كل لحظة نطق و صمت ، تبسط و تمنع ،ـ
كان أنين زائرتي يملأ الفضاء ضجيجا فيحتفظ ببعضه في غيابات دواخلها و يقسم الشطر
الباقي بين أصداء يستقبلها كياني المشتت ، و أخرى يصدّرها إلى أبواب الجحيم.ـ
و لما لم أعد أقوى على سماع آهاتها ، سألتها : منذ متى و أنت تئنين؟
فضحكت و بكت ثم قالت :ـ
كنت أضحك كثيرا حين تشرب تضاريسي دماء الأبطال و تبصق آثام المجرمبن.ـ
كنت أضحك أيضا و أنا أسقي سبع سنين من الذوذ عن الأرض و عن الدين .ـ
و كنت راضية حين انقضت السنين السبع و إخوتك الأولين من غير كفن مجتمعين في
رياضي فاكهين .ـ
كنت أضحك حتى و أنا أعرف أنهم تحت ترابي لا يتحرّكون و لا ينطقون إذا مر بهم الطيبون.ـ
و لكني بعدها بكيت لأن أولادي ماتوا و هم يحسبون أنهم تركوا ارثهم لمن أسموهم مثقفين
و متعلمين.ـ
و جاش صدرها بعد ذلك بحوالك الليالي و قبل أن تتخذ سحابة أفكاري شكلا لحقيقة هذه الغريبة
تاهت زائرتي ملتحفة بغطاء الليل و هي تردد : سأعود إليك ، ولا تتعبي عقلك الصغير طفلتي
بما يعييك، فأنت صورة مرصعة بأغلى ما حاكت الأرض ، و حسبك أنك لا تتفتين برؤية
الأطياف الحنونة ، يوما ما ستعرفين ،يوما ما ستفهمين ، و إلى صدري ستركضين.ـ
لا أنكر أني بدأت أشعر بشيء من الألفة ولد بيني و بينها و مع ذلك فما زال الوقت مبكرا
لأجزم بكنه مشاعري لزائرة الليل الغريبة .ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 5th, 2007 at 5 نوفمبر 2007 11:13 م
مدونة رائعة وكلمات رائعة
اتمنى لك التوفيق
ارجو الزيارة
نوفمبر 6th, 2007 at 6 نوفمبر 2007 12:31 م
أشكرك أختي الكريمة على حسن ظنّك بي و بحرفي، و إن كان الحقّ أنّ قلمي لا يزال يقوم و يكبو، يومض و يخبو، و يصيب و ينبو، و لا زلت أداريه كي أحمله على مقاربة العلياء، فلذلك هو لا يزال ينتهل من جداول أمراء البيان، و لن يبتغي لهم بدلا..
استوقفني لما وقع ناظري على مدوّنتك لأوّل مرّة أمران، و لا أدري إن أصابت فراستي الحقّ أو جانبته..
أولاهما أنّي تلمّست في حروفكم ذلك المعدن الجزائري المفقود، الذي كان بالأمس المثل الأعلى الممدود، نضالا و تضحية و فداءا و علما أدبا.. فقد كان يصهر ليسكب في قوالب من فولاذ، ليخرجوا لنا به رجالا و نساءا، هم أباة الضّيم، الذين يرتضون المنيّة على الدنيّة، و لو مرّت عليهم العواصف انحسرت و انحنت، و قالت لهم: سلام عليكم، طبتم، فاعبروا آمنين.. و ما كنت أظنّ أنّ هذا المعدن قد بقي منه وسط هذا التغريب الحاد، ليصهر من جديد، و لتكون منه لبؤة جزائرية حتّى النخاع، فتذكرت قول كاهن الشعر بالأمس:
قل للجزائر و هي أمّ مرضع **** مثل اللبؤة و أيّ أمّ مرضعِ
أبناؤك الأشبال فيك تزاوروا **** و تزاءروا في الغيل منك بمسمعِ
و ثاني ما وقع في الخاطر هو تلك الأثارة الشاميّة التي لمستها في الحروف، و كأني بسحر الشرق قد فعل مفعوله في ذا القلم، و ما هذا بغريب، فكذلك كان كبراء الجزائر من أمراء و علماء و أدباء، لا يهزّهم إلاّ الحنين إلى روحانية المشرق.
فهذا بعض ما أمْلته العجلة، و نحن نجد في قلمكم ما تُجتنى منه الآمال الفساح، بشرط أن يشرب مما شرب منه أعلام الجزائر، علما و أدبا و إصلاحا، الذين وهبوا أنفسهم لقضيّة كبرى، غفل عنها الكثير اليوم، ألا وهي: تأليف الرجال.
فجزائرنا اليوم بحاجة إلى تأليف رجال، و بناء أجيال، و ذلك فيما نؤمّله فيكم و في أمثالكم..
و لو وجدت من الفسحة لعدت لأجيب داعيكم الذي وصلني إلى نقد سطوركم، و إن كنت قصير الباع فيه، و كفاني اليوم أنّي قد أتيت لأشحذ الهمم، و أشوّقها لنيل القمم، فهكذا علّمتنا أمّنا الجزائر، أن نجاوز الجوزاء، و لا نلتفت إلى التشجيع، إذْ أنّه معطش و مجيع… و السلام.
نوفمبر 6th, 2007 at 6 نوفمبر 2007 12:36 م
مع أني أميل إلى فنّ المقال، و لا أعوّل على القصة على مذهب أدباء الإصلاح، إلا أن خبر الزائرة قد شدّني، و تاقت نفسي لتعرف من هي… فكان ما لم يقع في بالي، بل كان أحسن مما انتتظرته، و لعل قد أعود لأسكب ما رأيته..
نوفمبر 7th, 2007 at 7 نوفمبر 2007 12:52 م
أو حسبتيها أنها تزورك لوحدك حتى تسأليني من هي ؟
و سأعود حين تنفرج القريحة لأقول القليل مما يلزم قلمي أن يقوله..
تحياتي أختى الفاضلة
نوفمبر 20th, 2007 at 20 نوفمبر 2007 11:02 م
للاتحاد مع شيخ يونس
السلام عليكم، نرجو من جميع المدونين في اتحاد المدونين الجزائريين الاتحاد مع شيخ يونس الذي تم اتخاذ قرار من طرف الادارة يحث على فصله إلى أجل غير مسمى، وذلك أنه قام بنشر موضوع عن اغتيال شاب حسني، اعتبرته الإدارة مخالفا لشروط وسياسة الاتحاد، فأرجو من الجميع الاتحاد معه ومطالبة الإدارة التخلي عن ذلك القرار.
(يمكن للجميع قراءة الموضوع في مدونة شيخ يونس الخاصة)
فبراير 11th, 2008 at 11 فبراير 2008 12:58 م
أنا جزائري أكثر منك يا جزائرية
أمين
nazime2001@maktoub.com