أنا و مخيلتي
كتبهاحلل الجزائرية ، في 23 ديسمبر 2007 الساعة: 15:28 م
أنا أختنق بكل ما يسكن جوفي و أحسه شاحبا كبحر في يوم ملبد ، عندما كنت أحدث سنـّـا كنت أتكلم دون أن أبالي بما أقول فالمهم أن يغادر القول حجرات نفسي المرفرفة فوق ربوع الجمال و السكينة و الآمال الوردية ، و أيامها لم يكن المجهول سوى رواية آسرة تهتف في هدوء و طمأنينة في أذني فتداعب فضولي و لكنها لا تتذمر من أوان الإطلاع عليها , لأني كنت في صفاء يكفل لي هوى الألغاز و الغموض حتى أطلق العنان لمخيلتي التي كانت ترسم و تمحو لكن بسعادة.
و اليوم أدرك أن مخيلتي كانت ضعيفة و محدودة الآفاق ما خيب الكثير من ظنوني فيّ و فيها و إني ألومها على تقصيرها.
لم يا مخيلتي لم تسبحي في أرجاء هذا الكون الواسع و لم ترقبي أحوال الناس؟ لكنت أخبرتني أن المجهول سيف ذو حدين إما باتر للظلمات و إما شاطر للأنوار و أن للناس حظوظا من هذه و تلك.
و لِم لم تخبريني أن ما قرأت من روايات و كتب هي مجرد أقسام اتفق عليها الكتاب و الأدباء و تعارفوا على أنها تبدأ بمقدمة ثم عقدة فخاتمة؟
و لِم لم تعلميني أن مخيلاتهم الحالمة هي التي كانت تقرر النهايات السعيدة؟ لكنت دربتك على مُثل و بديهيات غير تلك التي تبنوها.
فاسمعي دروسي إذن و جوبي بها الكون و خلفيها هاتفا يرن في آذان مثيلاتك من المخيلات و اعلمي أن السليمة منها ستعلنها حكما فريدة إن عمل الناس بها أراحوا نفوسهم من آلام المعاناة , و أن السقيمة منها ستنكرها و تسجنها في سجل المحظورات ما سيجعل نفوس أصحابها معذبة أبدا و ضائعة مضيعة.
اعلمي يا مخيلتي أن أسرار السعادة في مرارة الوجع , فكيف السبيل إلى تلذذ طعم السعادة إذا لم يتلو الكيان وجعا و معاناة , واعلمي أن السعادة المطلقة هي وعد من الخالق الحق و مكافأة لكل من فلح في الإمتحان ، و في الإمتحان يكرم المرء أو يهان.
اعلمي يا مخيلتي ، أن الماضي دروس ينبغي الإعتبار منها و لكنه سراب و أن الحاضر نهاية الماضي ,فإن كان الماضي ماء عكرا في نهر فالحاضر ماء مالح في بحر و هو لا يروي العطشى فاقلبي ظمأك عفوا يلتحف به المخطئون فقد أخبرني أحدهم أن أجمل الحاضر عفو, أما المستقبل فارقبيه و اجعليه كأسك الشفافة من الماء غير الآسن , و اعلمي أن الماضي و الحاضر و المستقبل هي مفردات ستصبح يوما ما مبهمة في الحياة المقبلة لأن هذه الأخيرة هي دار القرار فاحرصي على أن تكون دارك فاخرة و شرابك حاضرا.
اعلمي يا مخيلتي, أن الولادة بداية و الموت نهاية فإن شهدت هذه و تلك فلا تغتبطي بالأولى فمآلها الثانية و لا تأسفي على الثانية فمآلها الأولي هي الأخرى فإن كان لابد فضعي نفسك في موقعهما لعلمت مباشرة أن الولادة لحظات تنفخ فيها روح في جسد و الموت سكرات تسحب فيها الروح من الجسد و كلتا الحقيقتين منتهيتين و إن كان فيهما عطاء واسترداد أمانة, أما ما ينبغي أن تتفرسي في أمره فهو ما بين الولادة و الموت من أعمال لن تعرفي شكلها إلا إذا سكنت قبرا فإن حسنت فهي رجل جميل و إن عفنت فهي رجل قبيح فلا تتعجبي و بلغي قولي بأمانة.
اعلمي يا مخيلتي ، أن البقاء للقوي , و القوة في الإيمان , و الإيمان درب البحث الدائم المستمر على الحقائق الغابرة، و أنك ستقفين أمام خيارات ترسمينها أنت و يجزم في أمرها عقلي و قلبي , فلا تستبدي حتى لا تصيبك أصابع الإتهام ، و اعلمي أن المفاوضة عن ضعف هي الضعف مرتين و أن استنفاذ الأعذار يبيح المحظورات و أن الدين رحمة و العقل نعمة و القلب الرؤوم ملجأ و إن كان لقمة فلا تقللي من شأنهم فما أنت إلا زاوية معزولة من زوايا العقل حباها الواهب بجناحين.
واعلمي أن خير من حكم هو الرجل الأمين الذي إذا تكلم صدق , و إذا وعد أوفى و إذا عاقب و فّى , وأنه حكيم مسالم مثل الأسد في عرينه إذا ربض, و قوي مهاجم إذا نهض, أما الحكمة فتكمن في عدم الإستهانة بالخصم مهما ضعف و عدم الإغترار بالقوة مهما عظمت. وأن أول من يتقدم ساعة الفزع و أول من يتأخر ساعة الطمع هو القائد الفذ , فلا يغرّنك ذاك الذي يلوح بسيفه لجيوش تتقدم ليتأخر عنها هو.
واعلمي أن تضارب الآراء نعمة ، لأنها تكشف ما خفي من باطن الأمور و أن خير الفصل في مبدأ الشورى فإن الفرد إن أصاب فهو لا يلبث يخطئ و أن خطأ الجماعة خير من خطأ الفرد ,فذلك أولى بأن يسقط الكلفة عن الجماعة التي فكرت و قدّرت ثم أخيرا قرّرت و بلغت عذرها من بارئها في اجتهادها بما رأته خير, و أن احتكار الفرد للقرار لا يطول و يصبح استبدادا فإن صار الرأي هو الدولة ضاع الرأي و ضاعت الدولة.
و اعلمي أن الدولة كالجسد , و لا يسع الجسد أن يكون كله رأسا و كذا الدولة لا تحتمل أكثر من حاكم إذا لتوج كل واحد منّـا نفسه ملكا على المساحة التي يقف فيها و لعمت الفوضى , و لكن الأصل أن يعمد كل منا إلى إتقان ما يجيده و أن نكون كالجسد في تلاحمه فإذا اشتكى عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى, فهكذا بلغت الأمم ذروتها.
و الآن يا مخيلتي , انطلقي بالحروف و الكلمات التي حملتك إياها و افرحي لأني أصونك بإخراجك من داخلي أوهاما إلى عالم الكلمات حروفا ذات معنى عميق و اجتهدي في طرق أبواب العقول النيرة و اصبري عند استعصاء بعضها عن فهم رسالتي و لا تحسبي أن أولئك هم الغافلون, بل هم الذين تغرد مخيلاتهم بأفكاري دون أن يسمع لها صوت و لا صدى, و لقد كتب على البشر أنهم يكابرون على معرفة دواخلهم, و لكن لا تقلقي فإنهم في آخر المطاف سيذعنون .
و ضعي نصب عينيك أن من قال إن الرجال أربعة أنواع قد صدق لو كان عمم قوله ليشمل البشر كلهم, و بينهم من يدري و يدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعيه، و من يدري و لا يدري أنه يدري فذلك غافل فأيقظيه ، ومن لا يدري و يدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فعلميه ،و آخرهم من لا يدري و لا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضيه و لا تطرقي بابه فإني أشفق عليك من غبائه و اعتداده به.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 26th, 2007 at 26 ديسمبر 2007 9:49 م
الف تحيه وشكر على هذا الابداع تحياتي واشواقي عيدالماجد
ديسمبر 31st, 2007 at 31 ديسمبر 2007 9:12 م
الإخْوَة وَ الأخَوَات قُرَّّاءَ وَ زُوَّارَ هَذِهِ الْمُدَوّنَة :
أتوجّه إليكم جميعا بأسمى آيات التّهاني وأطيب التـّحيّات
بمناسبة :(( السّنة الميلادية الجديدة 2008 )) ،
و كلّ عام و أنتم بألف خير و ألف بركة.
و أرجو من المولى سبحانه و تعالى
أن يعيده علينا وعليكم
و على الأمّة العربية و الإسلامية
بالخير و البركات .