مدينة الألوان الفاضلة(2)
كتبهاحلل الجزائرية ، في 25 فبراير 2008 الساعة: 21:16 م
بعد أن أخذت قسطي من الراحة،واصلت مسيري و أنا أتساءل عما يمكن أن أصادفه في الحي المقبل، و كلما اقتربت كانت الشمس تزيد توهجا و حرارة و لم أنتبه إلا و أنا أسير على الرمال الذهبية المشرقة التي كانت تلهوا بحباتها فتبني كثبانا ثم تردمها بعشوائية مجنونة. أتراه السبب الذي جعل الكثيرين يتيهون في هذه الصحراء التي تغير معالمها في رمشة عين؟ ربما.
أما أنا فما كنت لأضيع فيها لأنها جزء من الحي الأصفر الذي يمسك دفؤه بجماد قلبي فأشعر بأن العالم كله يحميني.
عندما دخلت الحي الرئيسي أحسست بمشاعر السكان الحنونة و رأيت في سمرة وجوههم أحلاما تزفها إليهم الشمس بكرم و جود فيستقبلونها بإجحاف وكره.
لم أفهم مكنونات سكان الحي لأول وهلة، فهم متوهجون كشمسهم المشرقة و لكنهم أيضا ناقمون من الشمس الملتهبة التي يعتقدون أنها السبب في هذا الفراغ الموحش المهيمن على صحرائهم.
في هذا الحي رأيت الناس يستيقظون باكرا و يشطرون يومهم بين رصد أفراح جيرانهم إن وجدتن و بين إفراغ سخطهم على أطلال التلال المتحركة التي تخرج من أحشائها بين الفينة و الأخرى نباتات شوكية غريبة الأشكال كأنما هربت من أصول الجحيم، فهذه تبدوا عرجاء و الأخرى حدباء و تلك الجاثمة هنالك بلهاء. و لكن على الرغم من أشكالها المخيفة و الجافة إلا أن ما يشدك إليها أشبه بالسحر الذي لا جلد لك على صده، كنت أهم بمغادرة إحداها حين خيل إلي أنها تخاطبني و تروم مني فرصة أخيرة لأحبها ثم أعذرها.
أخذت وقتا و أنا أحدق فيها و هي على ما تبدوا عليه بألوانها الباهتة على الرغم من حجمها الضخم، و الأطرف أن فيها من الصلابة الهشة ما يحير كفاية ليبقيك قريبا منها.
و في لحظة كنت قد اقتنعت فيها بأنها نالت فرصتها من ذهني دون أن تفلح في استيطانه كما ينبغي لها استذكرت صورة رجل من أهل الحي الأصفر الدافئ كان يقف كثيرا عندها ، كان هذا الرجل قوي البنية ،أشعث الهيئة و لكنه كان ينهار كطفل صغير كلما اقترب من هذه النبتة فتبدوا ملامحه القاسية بريئة و عذبة و لكن في لؤم و خبث.
هذا هو السر إذن ، كل نبتة هنا هي صورة عن أحد سكان الحي الذين لا يستطيعون التأقلم مع طبيعتهم لأنهم يرونها جرداء قاحلة مجردة من كل لفحات الجمال المغرية فتراهم جاحدين ناكرين لخيراتها الصارخة ، فتكيد لهم و تفرغ أحقادها المنتقاة من حدائق الشياطين و تزرعها غيرة في قلوبهم من باقي حدائق الألوان الفاتنة المبعثرة في مدينتهم الشاسعة ، و لكن لعنتهم الحقيقية هي تلك التي تثبتهم في ديارهم الملتهبة بازدرائهم لواقعهم ، إنها تلك النباتات الغريبة التي تحيط بهم من كل الجوانب كأسوار منيعة مغذاة بأطياف أرواحهم و بوديان دمائهم الفائرة، ومن يستطيع أن يهرب من ذاته؟ و من يعيش إذا تخلى عن الدماء التي تبل عروقه؟
عرفت ساعتها أن الحي الأصفر الحنون شائك باستعصاء أهله على فهم ملامح هذا التيار من الحرارة ، و لو أنهم أدركوه لأصبح شعلة نارية تضيء في قلوبهم سبل المحبة فيرون محيطهم الجامد واحات بارعة الجمال، لأن الإنسان إذا أطلق العنان للمحبة و الصبر و الخيال عاش في سلام و وئام مع نفسه و مع من حوله ، و لأن الطبيعة تصنع الرجال بطريقة ما ، و الرجال يغيرون إذا عرفوا كيف يتغيرون ، فالبشر و الطبيعة كالمرآة و الصورة المنعكسة.
رأيت من بعيد غمامة سوداء تحتضن الأفق بقوة فعرفت أنها الزوبعة المنتظرة ، و لاحظت أن النباتات الشوكية قد استقامت و رفعت هامتها في وقار فغدت أجمل و أصلب ، و لم تكن جزعة و لا خائفة بل مرتقبة مستعجلة.
إنه يوم الخلاص على ما يبدوا و علي بالرحيل فأهل الحي يحتمون ببيوتهم و أنا أبيت في العراء، ثم إن إحدى النباتات أومأت لي أن أغادر الساعة و أغرقتني بترحابها ثم توديعها،
و أقر أني أحب الشجاعة التي جبلت عليها هذه الأخيرة التي عرفت كيف تتخلص من الحقد الذي تغذت به على مر الأيام بالتضحية التي ليس لها مثيل، و ها هي الآن مستعدة للزوال حتى تزول معها نقائص أهل الحي فيصفوا مع ذاته و يفتش عن ذاته الجديدة بحلة جديدة أرجوا أن أعرف سرها بعد زيارة أهم محطات مدينة الألوان الفاضلة لأضمها إلى حللي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 4th, 2008 at 4 مارس 2008 1:25 م
مثلما سبق وأن قلت لكي يا جزائرية أكثر مني، إنني أريد أن أعتزل العمل والحياة لكي أحافظ على سيل الكتابة الذي تعودت عليه، أنا أحسد كل من لديه ساعة فراغ يدغدغ خلالها عنفوان القلم ويجريه حيثما أملت أفكاره اتجاهات ودروب، أنا جزائري ولكن بدون حدود ولا معالم واضحة لأنني أردت أن أرى جزائريتي في كل نقطة من العالم الذي يغرق يوما بعد يوم في مفاهيم جديدة عن الوطنية والروح القومية وللحديث بقية…
جزائري إسمه أحمد يحب هذا البلد
الجزائر
مارس 18th, 2008 at 18 مارس 2008 11:00 ص
ما للكلمات تغور في الصفحات فتغيب كما تغور المياه العذبة في باطن الأرض حين تخشى على نفسها أن تعفن في بيئة موبوءة ؟!!!
أم أنها توارت كما تتوارى الشمس حياءا من القمر لتتركه وحده يقاسي أمواج الليل القاسية ؟!!!
أم أن العيش قد طاب لهم بالمدينة الفاضلة، فلم يعقدوا للأوبة موعدا، فإن صدق تخميني فقد بلغت المدينة الفاضلة من الجمال الباهر ما لا يُرجى معه رجعة، فليدلونا على أيّ وكالة سياحية تأخذنا هناك لنكشف روائع جمال ألوانها، و بدائع أسرار مظاهرها و بواطنها، فإنّ وراء كل حركة و سكنة سرّا يصلح أن يكون درسا و قانونا من قوانين الحياة.
قد كتب الفرابي من قبل عن المدينة الفاضلة، فبالغ في تصوّرها بمثالية بعيدة، و تكتبين اليوم عن مدينة أخرى بصبغة الخيال الرمزي الذي وراءه ما وراءه، مع إغراق في وصف التفاصيل.. و إن كانت مجاوزة الخيال عن حدّه تعدّ عيبا من عيوب الإنشاء في مدرسة أمراء البيان، إلا أني أرجع البصر كرّة أخرى لأراه كاللثام التي تنتقب به الحسناء لتستر معاني الجمال في وجهها، فيكفي القارئ ما يراه من وراء الحجاب، و اللبيب بالإشارة يفهم، فلذلك فلن أقف طويلا لأبصّر بما رأت بصيرتي حتى لا يكون تصعلكا مني لإماطة اللثام، و لن أشير حتى إلى تلكم الهنّات اللغوية التي نقع فيها كلنا من سبق القلم، إلا أني سأقبع منتظرا انتظار الأرض الجدب للغيث الذي يكون بعد “زائرة الليل” و “المدينة الفاضلة”، علّ نفوسا تروى بعد طول غبّ زخّات المطر.
تقبّلي آنستي مروري العاجل على تقصير مني.
مايو 1st, 2008 at 1 مايو 2008 10:53 ص
التصميم كتيرب حلو بس